الأحد، 22 أبريل 2012

نظرات وتأملات في قصائد تنسب بني ياس والمناصير إلى قضاعة 2

تحليل ألفاظ وأفكار القصيد
وهناك قصيد آخر لم أورده خشية الإطالة، ولهذا اكتفي بما ذكر، وأما عن تحليل ألفاظ القصائد المذكورة وفكرتها فيلاحظ أنه يوجد فيها كلمات متشابهة مما يدل على خروجها من رجل واحدٍ، كما هو واضح في الجدول التالي:


القصيدة الأولى الثانية الثالثة الرابعة الخامسة السادسة
ترثة ترثة
يروون السلايل مروي الرماحي مرويينٍ أشفارها
خنيف ابن الخنيف
حميس حميس
أهل رضوى راس رضوى
آل قضاع بن قضاع قضاع
قحطان روس قحطان قحطان
خيل الصحابة نصرة جدكم
والمعنى المراد من خيل الصحابة ونصرة جدكم واحد، وهو القتال في صف الرسول صلى الله عليه وسلم.
وهذه الكلمات المذكورة مع تشابهها وإتحادها في المعنى كما هو ظاهر في الجدول لا تمت بأي صلة إلى لهجة بني ياس أو أهل الظفرة ولا هي من المصطلحات المستخدمة عندهم، لأننا لم نجدها في قصيد أهلنا السابقين ولا اللاحقين، وقد سألت عنها بعض أهل الظفرة فأنكرها واستبعد أن يقولها أحد من شعرائنا القدامى.

وأما الفكرة فهي متحدة كذلك، حيث يظهر منها محاولة جعل القصيد دليلاً على صحة ربط القبائل الياسية والمناصير بقبيلة قضاعة، وذلك عن طريق ذكر اسم قضاعة صراحة أو ذكر أسماء أخرى يسهل ربطها بقضاعة من خلال كتاب الكلبي.
وقد سبق أن ذكرنا أن هذه الأسماء الكثيرة لا يمكن معرفة أصحابها إلا عن طريق كتب الأنساب، فمن أين لهؤلاء البدو أن يعرفوها وهم يعيشون في وقت لا يَعرف القراءة والكتابة فيه إلا النفر القليل.
ولأن هذا القصيد الذي ورد إلينا من قطر أغلبه منسوبٌ إلينا وجلّه يتحدث عن أنسابنا وتاريخ أهلنا وبلادنا، قمت بجمعه تمهيداً لتحليله ودراسته دراسة أوسع مما هنا.

تشابه المخطوطات

أما المخطوطات التي ورد فيها ذلك القصيد عندما نظرنا فيها وجدناها متحدة في شكلها الخارجي، وتشابه بعضها البعض في خط صاحبها، وهي غير موثقة بذكر ناسخها أو تاريخ نسخها، مما يقلل من أهميتها من ثم صعوبة الاعتماد عليها في إثبات نسب أو حدث.

وإليك بعض صور تلك المخطوطات:




قصيدة الفلاسي مصدرها مكتبة الشيخ ناصر بن علي آل ثاني



قصيدة الفلاسي مصدرها مكتبة ناصر بن علي آل ثاني



قصيدة رويشد الوبراني مصدرها مكتبة الشيخ ناصر بن علي آل ثاني



قصيدة مروان بن مجرن مصدرها مكتبة ناصر بن علي آل ثاني- قطر



قصيدة سليمان الكعبي مصدرها مكتبة سعود الزيتون الخالدي عنك الشرقية السعودية!!

هذه أربعة صور يتضح عند تأملها أنها بخط قلم واحد تماماً، والدليل على ذلك الكلمات التالية:

من الصورة الأولى: , , ,

من الصورة الثانية: ,


من الصورة الثالثة: ,

من الصورة الثالثة: , ,

من الصورة الرابعة: , , ,

انظر إلى رسم حرف الياء في (والذي)، و(الفلاسي)، و(بني)، و(الجهني، والربعي)، و(الكعبي) تجده رسم واحد ليس فيه اختلاف.
وانظر كذلك إلى حرف السين في (الفلاسي، وسهيل)، و(الفلاسي) في الصورة الثانية، و(وياس)، و(الناس).
وحرف الهاء في (الجهني)، و(ديارها)،
تجد لها نبرة من فوقها مما يؤكد أن كاتبها واحد.

والغريب أن الصورة الأخيرة مصدرها مختلف عن صويحباتها، مع أن الخط واحد بلا شك ولا ريب.
ومن خلال هذا العرض البسيط يتضح جلياً بأن المخطوطات التي تم الاعتماد عليها في تغيير خارطة نسب بني ياس والمناصير ضعيفة جداً لا يمكن اعتمادها أو حتى جعلها قرينة يستدل بها على خلاف ما تعارف عليه الناس في بلادنا واشتهر بينهم.


وأخيراً أحب أن أؤكد بأن بني ياس والمناصير هم أعلم بتاريخهم ونسبهم من غيرهم، ولهذا أنصح كل باحث يريد أن يكتب عن هذه القبائل أن يدرس تاريخ الظفرة، وأن يعرض ما يكتبه على المتخصصين في التاريخ وعلم الأنساب، وليس على عوام الناس -وإن كانوا ذا مكانة في مجتمعنا- فإنهم لا يفقهون شيئاً من هذا العلم، فيظن الباحث بأن كلامهم شاهد على صحة بحثه ويضيف إلى ذلك أخذ تواقيعهم ونشر صورهم، فإن هذا العمل يسيء إلى الباحث أكثر مما يستفيد منه أو ينتفع به، واسأله الله تعالى التوفيق والسداد لكل باحث مخلص مجد مقصده نفع أهله وبلاده والمحافظة على هوية دولة الإمارات العربية المتحدة، وبالله التوفيق.

علي بن أحمد الكندي المرر
باحث في التاريخ والتراث


الهوامش:1- الإمام السمعاني، الأنساب ج1 (ص3-4).
2- علي الكندي، أصول في علم النسب (ص11).
3- د. جوينتي مايترا، عفراء الحجي، قصر الحصن (ص15).
4- حماد الخاطري، أوثق المعايير في نسب بني ياس والمناصير (ص232).
5- حماد الخاطري، أطيب الثمرات (ص1395).
6- حماد الخاطري، ثلاثة قصائد للشاعر بطي الفلاسي، (ص249)، و(ص253)، وأوثق المعايير (ص208).
7- مجلة تراثنا العدد 129 (ص127).
8- أطيب الثمرات (ص194-195).
9- الكندي مصبح الكندي، ديوان الونة (ص12).
10- أطيب الثمرات (193-194).
11- أوثق المعايير في نسب بني ياس والمناصير، (ص125).
12- أطيب الثمرات (ص1436-1438).
13- أوثق المعايير (ص191).
14- ابن جرير الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج4 (ص257)، و(ص369-370).
15- ياقوت الحموي، معجم البلدان ج2 (ص231).
16- أطيب الثمرات (ص219-220).
17- أوثق المعايير (ص231-232).
18- أطيب الثمرات (ص1366).
19- أطيب الثمارت (ص1343).
20- (ص228)، و(ص229).






المصدر : مجلة الظفرة - العدد 57 - يناير 2012 - الصفحة رقم 40


نظرات وتأملات في قصائد تنسب بني ياس والمناصير إلى قضاعة 1

نظرات وتأملات في قصائد تنسب بني ياس والمناصير إلى قضاعة

علم النسب من العلوم التي اشتهرت عند العرب من قديم الزمان وقبل مجيء الإسلام، وسبب ذلك تكوين الأمة العربية عن غيرها من الأمم، فالعرب لهم قبائل ينتسبون إليها ويتفاخرون بها، وأما غيرهم من الأعاجم فينتسبون إلى المناطق والبلدان كالطوسي والسجستاني، أو إلى الحرف التي امتهنوها كالخباز والخياط وغير ذلك، ونسبة الشخص إلى قبيلته أو بلده مما يسهل في التعرف عليه وتمييزه عن غيره، قال تعالى: {وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا} [الحجرات:13]، ولهذا كان اهتمام أهل الحديث بهذا العلم أكبر وأعظم من غيرهم؛ لحاجتهم في معرفة راوي الحديث وتمييزه عن غيره من الرواة كي يحكموا من خلال علم الحديث إما بقبول روايته أو ردها.
قال السمعاني: (معرفة الأنساب من أعظم النعم التي أكرم الله تعالى بها عباده؛ لأنّ تشعّبَ الأنسابِ على افتراق القبائل والطوائف أحد الأسباب الممهدة لحصول الائتلاف، وكذلك اختلاف الألسنة والصور وتباين الألوان والفطر)(1).
وعلم النسب هو علم يبحث في أصول الأمم والشعوب والقبائل والأشخاص مع الاستدلال عليها بذكر الأدلة من كلام العلماء والنسّابين الثقاة، أو بما تعارف عليه الناس واشتهر لديهم بالنقل الصحيح عمن سبقهم (2)، ولما كان هذا العلم يختص بأصول الرجال كان البحث فيه خطيراً؛ يحتاج إلى جهدٍ وتثبّت، وأن يكون الباحث فيه تقياً ورعاً يخاف الله عز وجل، ونقياً من الأهواء والأطماع الفاسدة، فربما اشتهر رجلٌ بأنه من القبيلة الفلانية ثم يأتي هذا الباحث فينكر ذلك وينسبه إلى غيرهم بقصدٍ أو بغير قصد، مما ينتج عن ذلك العداوة والبغضاء والاختلاف.
وقد دخل في هذا العلم في الآونة الأخيرة –وللأسف الشديد- أناسٌ أحداثٌ تكلموا في أنساب الناس وخصوصاً في نسب بني ياسٍ والمناصير، وسوّدوا فيها الكتب والرسائل؛ فوقعوا في أخطاء جسيمة، وتخاليط عظيمة، بل وقع من بعضهم التحريف والتغيير الذي أفقد مصداقية الباحث، ونزع الثقة من صدور الباحثين والقراء في المعلومات التي يكتبها، وقد قيل: من قلّ صدقه قلّ صديقه، وليعلم هذا الذي يكتب في أنساب الناس ويدس فيها ما ليس منها أن الله كاشفه وفاضحه أمام الخلق ولو بعد حين.
ومهما تكنْ عند امرئٍ مِن خَلِيقةٍ وإنْ خالها تخفى على النّاس تُعْلَمِ

بنو ياسٍ والمناصير

سجّل لنا التاريخ ذكر هاتين القبيلتين العظيمتين وما كانتا عليه في موطنهم (الظفرة) من قوةٍ ومنعة وشجاعة وكرم، إلا أنه من الصعب تحديد أقدم تاريخ يذكر اسم (بني ياس) في المنطقة، وقد ذكر المؤرخ العماني سرحان بن سعيد بن سرحان الأزكوي في كتاب (كشف الغُمّة الجامع لأخبار الأمّة) بأن بني ياس قاموا بمساعدة ناصر الهلالي وحمايته في حصن الظفرة سنة 1633م(3)، فهذا أقدم تاريخ يذكر إطلاق اسم بني ياس على القبائل التي تسكن في الظفرة، وأما القبائل نفسها فهي موجودة فيها منذ القدم، وهذا ما يذكره أهل الظفرة ويتناقلونه أباً عن جد إلى هذا اليوم، وأما القول بأنهم وفدوا إلى هذه البلاد وأخذوها عنوة من أهلها بحد السيف، ويحتج ببيت شعر يقول:
وحنّا وطينا عبد قيس بأرضها وأضحى نخلها بين ياسٍ يقسّمي(4)

إنما هو قولٌ كبيرٌ وإدعاءٌ خطيرٌ؛ لأن في مضمونه تنقص وطعنٌ في قبائل بني ياس، وقد أنكر هذا الكلام جل كبار السن ممن عرضناه عليه وذكرناه له، وأكدوا بأن الأرض أرض بني ياس والنخل نخلهم لم ينهبوها من أحدٍ، ولم يقتسموها بينهم، إنما ورثوها عن أجدادهم.

ولا شك أن بني ياس والمناصير هم أعلم بتاريخهم ونسبهم من غيرهم، ونحن أدركنا كبار السن منهم وأخذنا عنهم تاريخ بلادنا وأنسابنا وأنساب الناس الذين وفدوا إلينا وهو مسجّلٌ عندنا في كتاب، فلا يظن أحدٌ بأن بني ياس أو المناصير لا يعرفون شيئاً عن نسبهم أو يجهلون الأحداث التي جرت في أرضهم، كي يستعينوا برجلٍ أجنبي عنهم يسكن في قَطَرٍ أو غيرها من الأقطار ليعرّفهم بنسبهم ويُطْلعهم على تاريخهم، فهذا من عجائب الأمور وغرائب هذا الزمان.
فكرة إيجاد قضاعة في الظفرة
حاول بعض الباحثين إقحام قضاعة في أنسابنا وإدخالها في بلادنا، وحشد لهذه الفكرة المخترعة القصائد والأشعار، وعند إمعان النظر في تلك القصائد ومقارنتها ببعض، تجد أنها منسوبة إلى أشخاصٍ متفرّقين مع أن لها صبغةٌ متحدةٌ بيّنة، خارجةٌ من نَفَسٍ واحدٍ كما سيأتي بيانه، والغريب أنه منسوبٌ إلى أهلنا وجماعتنا في الظفرة وعند سؤال أهل الظفرة عن هذا القصيد نجدهم لا يعرفونه ولم يسمعوا به قط، ذلك لأنه واردٌ علينا من الخارج وبالتحديد من قطر(5)، وهذه قرائن قوية تدل على التلاعب في القصيد، ولا نعلم ما هو المغزى منه، ولكن نشك بأنه خارج من أشخاص يريدون أن يجعلوا لهم تواجداً عندنا ويصنعوا لهم مكاناً في بلادنا(6)، ولكن هيهات هيهات.


قصيدة روضة الفلاحية
ومن ذلك القصيد الذي عاثت به أيدي المتلاعبين قول روضة بنت محمد الفلاحية من أهل محضر مزيرعة في الشيخ زايد بن خليفة حاكم أبوظبي (1855-1909):
(لا) يا جرن بن وايل قلبي عليك اضْعيف
لو مب هيني هزايل حطّيتك لي رديف
صوب شيخٍ للقبايل زايد زبن لمخيف
ياما دقم من عايل غزو ومرّه نكيف(7)
وردت هذه القصيدة في كتاب (أطيب الثمرات) منسوبة لامرأة من القبيسات مع حذف بعض أبياتها وإضافة أبيات غيرها ركيكة لا تناسب معاني القصيدة، منها:
وإن مرّتك الذلايل خبّر أن عندك ضيف
ترثة روس الحمايل معقل وخنيف
لي يروون السلايل ولا يقبلون الحيف

فأدخل فيها أبيات تختص بالأنساب، حيث ذكر فيها معقل وخنيف، ثم عرّف بهذه الأسماء فذكر أن معقل جد قبيس القضاعي، وخنيف والده، وأن قبيساً هذا هو الذي تنتسب إليه قبيلة القبيسات!! (8)
فنقول: من أين لهذه المرأة البدوية بهذه الأسماء القديمة التي لا تُعرف إلا عن طريق كتب الأنساب؟ ومعروف عندنا أن النساء قديماً ليس لديهن معرفة بهذا العلم، وفي عصر الشيخ زايد بن خليفة قليل من الناس من كان يعرف القراءة والكتابة، ولم تكن كذلك كتب الأنساب موجودة لديهم.

والأمر الآخر أن هذه القصيدة على وزن الونّة، فالذي أدخل تلك الأبيات فيها واضح أنه لا يعرف هذا النوع من القصيد، لأن قصيد الونّة معروفٌ لدى أهالي الظفرة أنه شعر الغزل ووصف الطبيعة والأحداث التي جرت في زمن الشاعر، فهو لا يستخدم للرثاء أو للتفاخر بالأنساب(9).

قصيدة الشيخ راشد بن مانع
والقصيدة الأخرى منسوبة للشيخ راشد بن مانع المنذري المنصوري منها قوله:

وموالك ترثة حميس بن موداع مصيّحين أهل الوبر والبطاحي
ومنا ضيغم بن جحيش يا خو ضيّاع ابن عمّه المكتوم هو والفلاحي
وزقلابٍ وطارش مواريث فراع وقبيس بن الخنيف مروي الرماحي
البو الشعر أهل رضوى وذيك الأضلاع مع الرحمي كسّابة للأمداحي
بنثور لا صحتوا بنا يا آل قضاع جد بقحطان عموقه أوضاحي(10)

وهذه القصيدة وللأسف أنها لم تؤخذ من أهل الشاعر، وإنما وجِدت في مكتبة الشيخ ناصر بن علي آل ثاني بقطر!! ولا أعلم ما الذي ذهب بها إلى هناك، وجاء في كتاب (أوثق المعايير) بأن القصيدة مأخوذة من مكتبة الشيخ فالح بن ناصر آل ثاني، ومحفوظة في المجمع الثقافي بأبوظبي(11)، وهذا غير صحيح وإنما هو تضليل على القراء، لأن المسؤولين في المجمع أنكروا وجودها عندهم.

وعند تفحص ألفاظها ومكوناتها تجدها تشبه سابقتها من حيث الألفاظ وذكر شخصيات قديمة لا يمكن معرفتها إلا عن طريق كتب الأنساب التي طبعت حديثاً، والذي يؤكد أن مثل هذه الشخصيات لا وجود لها في شعر بني ياس والمناصير هو عدم معرفة علماء الظفرة ومفكريها وشعرائها بهم، وقصيد أهل الظفرة موجود عندنا متداول بيننا غير أننا لم نجد فيه ولا اسماً واحداً من تلك الأسماء! إضافة إلى إنكار العارفين من أهل الظفرة بهذه الأسماء الغريبة.

قصيدة محمد بن سرور الوبراني
ومن ذلك القصيد أيضاً قصيدة الشاعر محمد بن سرور الوبراني المنصوري يرد فيها على قصيدة راعي الورية، وهي طويلة لكن نورد الأبيات الداخلة فيها وهي:
ترعاه عرب لنا على الغصب بالجنا بمصقّلاتٍ مرويينٍ أشفارها
بصبيان منصور بن قضاع لابتي هم روس قحطان العريضة ونارها
قبايل من راس رضوى تحدّرت تطارد مع خيل الصّحابة أمهارها
نزاحم من عصور الجهالة هل الجهل وأما حياة العزّ وأمّا ودارها

وهذه القصيدة كذلك لم تؤخذ من أهل الشاعر، وقد هاتفت أحد أحفاد الشاعر فوجدته يحفظها ولما سألته عن مصدرها أكد على أنها قصيدة جده ولكنه ذكر بأنه أخذها من صاحب كتاب (أوثق المعايير)، الذي بدوره أتى بها من قطر!!(12).

إذاً مازال القصيد يأتينا من رجلٍ واحدٍ ومن مكانٍ واحدٍ أجنبي عنا، بالإضافة إلى أن الأبيات ألفاظها تشابه القصيد السابق من ذكر قضاع وقحطان ورضوى.
وهذه القصيدة يحفظها كبار السن عندنا منهم ابن شملان الفلاحي ولم يذكر هذه الأبيات، لأن الذين سمعوها منه أنكروا وجود هذه الكلمات فيها.

قصيدة رويشد بن صالح الوبراني

ومن ذلك القصيد أيضاً ما قاله رويشد الوبراني وهو قوله:
يا ناشد عنّا تدور الأخابير العود منصور ترانا بنينه
منصور بن جمهور جد المناصير وياس ابن عمه وحن مدعينه
أولاد قضاع زبون المذايير من عصر قحطانٍ وماضي سنينه(13)
وجاء في كتاب (أوثق المعايير) بأن القصيدة تعود إلى ما قبل الثلاثمئة سنة، وفي الحاشية بأنها من رواية الشاعر علي بن محمد المالكي عن والده، والسيد عبدالله بن هلال، والسيد أحمد بن هشلة الكعبي وجميعهم من قطر، إذاً مازال تاريخنا يصدّر إلينا من الخارج!

وفي القصيدة تصريح بأن جد المناصير هو منصور بن جمهور وأنه ابن عم ياس وجميعهم أولاد قضاع، وهذا مما يزيدنا يقيناً بأن القصيدة مركبة تركيباً مفتعلاً، لأن نَفَسها هو نَفَسُ القصيد السابق تماماً.

ويظهر من القصيدة كذلك أن رويشد بن صالح عالم بالأنساب وإن لم نعرف شخصه أو شيئاً من حياته، لأنك إن أردت التعرف على منصور بن جمهور ستحتاج إلى كتب التاريخ وخصوصاً قبل ثلاثمئة سنة، وإذا وجدت هذه الكتب فكذلك تحتاج إلى أن تفتش فيها تفتيشاً دقيقاً عن اسم منصور بن جمهور؛ لأنه قليل من المؤرّخين من كتب عنه كالإمام الطبري في (تاريخ الأمم والملوك) حيث قال: (كان منصور بن جمهور أعرابياً جافياً غَيْلانياً)، يعني أنه صاحب مذهب خبيث وهو مذهب الخوارج.

وذكر الطبري أيضاً في موضع آخر من كتابه أن موسى بن كعب توجه إلى السند لقتال منصور بن جمهور فقاتله وهزمه ومن معه، ومات منصور عطشاً في الرمال، وأن أحد أصحاب منصور لما علم بمقتله أخذ عياله وخرج بهم في عدّة من ثقاته، فدخل بهم بلاد الخزر(14).

وجاء في (معجم البلدان) لياقوت الحموي: (خَزرُ: وهي بلاد الترك خلف باب الأبواب المعروف بالدَّرْبند)(15).

وهل يعقل أن يكون المناصير من نسل هذا الرجل الذي مات بالسند وعياله في بلاد الترك؟
أقول: السبب في جعل منصور بن جمهور جد المناصير؛ أنه كلبي من قضاعة، فحاول صاحب القصيدة أن يربط بينهم لتشابه الأسماء ولتأكيد قضاعية المناصير، ولكن محاولته هذه باءت بالفشل، فهو إنما بحث عنه في
كتاب الكلبي (نسب معد واليمن الكبير)، ولكنه لم يبحث عن سيرته في كتب التاريخ ليقف على استحالة ربط المناصير به، ولهذا وقع في هذا الخطأ الكبير.


قصيدة مروان بن مجرن المرر

ومن ذلك القصيد أيضاً قصيدة مروان بن مجرن المري الجهني وهي قوله:
يقول مروان بن مجرن أخو المرر قولٍ لمن منّه لحقنا لوم
ابن عمنا اللي مع حميس بن عامر وخواله معديت الخصوم جروم
تبيّن بأي المرّتين قرابتك بني رابع ربعك أو هم صروم
فأما بني غطفان فحلاف جدنا وأما بني رابع فأولاد عموم(16)

الناظر في هذه الأبيات يجد أنها مركّبة وفيها تكلّف وركاكة في صياغتها، وهي بكل تأكيد ليست كقصائد بني ياس لا في المبنى ولا في المعنى، فهي تشبه في محتواها القصائد السابقة في محاولة صاحبها ربط قبائل بني ياس بقبائل قضاعة، وفي هذه القصيدة يريد ربط قبيلة ياسية مشهورة على مر التاريخ بقبائل بني رابع وبني غطفان من قضاعة! وأما عن اسم الشاعر فالملاحظ عليه أنه كذلك مركّب من أسماء مشتهرة في قبيلة المرر مع إضافة (الجهني) كي يؤكد قضاعيته، والحقيقة أن كل هذه الأمور خيالات وظنون لا دليل عليها، وإنما هي مأخوذة من مخطوطة في مكتبة الشيخ ناصر بن علي آل ثاني في قطر!!

وقبل إيراد القصيدة في كتاب (أطيب الثمرات) ذكر أن نخوة قبيلة المرر الياسية أولاد مروان نسبة إلى مروان بن مجرن المرر.
نعم نخوتهم أولاد مروان، ولكن من الذي قال أن هذه النخوة نسبة إلى مروان بن مجرن؟ وما هو الدليل على ذلك؟ {هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} [البقرة:111]، أم هي استنتاجات وظنون؟ قال صلى الله عليه وسلم: (إياكم والظنّ؛ فإنَّ الظنَّ أكذب الحديث) متفق عليه.

وهذا القول الغريب إنما هو تقوّلٌ على أحساب الناس وأنسابهم، والله عز وجل يقول: {ولا تَقْفُ ما ليس لكَ بهِ علمٌ إنَّ السّمعَ والبصَرَ والفؤادَ كلُّ أولئكَ كان عنه مسئولا} [الإسراء:36].

قصيدة بطي بن سهيل الفلاسي

ومن القصيد الذي أدخل على بني ياس والمناصير قصيدة بطي بن سهيل الفلاسي منها قوله:
أن لكم حلف ونصرة جدكم منّا إذا ثار العجاج وقتّمي
إن بني جبلة بن أحمد عصبة والجد من ياس بن عبد الأعلمي
أهل الجياد المكعتية والجنا وبيارق الظفر العزيز الأقدمي
نحن الذي أفنت ضبات سيوفنا طي وبني قيس وآل محلّمي
وحنّا وطينا عبد قيس بأرضها وأضحى نخلها بين ياس يقسمي
وحنّا ظهدنا الأزد في عماناتها وتميم بالسيف الرقيق الأرخمي
ومنّا آل منصور بن جمهور الذي قاد الجموع بأدلم يتقدمي
ومنّا زبار وعبد ودّ وبحدل ورمانس وأبناء قطن وآل الكلثمي
والحرث منّا والفلاح وعامر وعبيدة بن سويد وآل الأعصمي
وأولاد ضيغم بن جحيشة ربعنا حلوا جبل طي أولاد الأسلمي(17)

والكلام على هذه القصيدة يحتاج إلى بعض التفصيل، فأقول: القصيدة تشابه سابقاتها في محاولة ربط بني ياس والمناصير بقضاعة، وذكر أسماء قديمة لا يمكن معرفتها إلا عن طريق كتب الأنساب، وذكر أحداث كبيرة على إثرها حصل تغيير كلّي في المنطقة! والغريب أن أهل المنطقة يعرفون الأحداث الصغيرة التي جرت في الظفرة، فمعرفتهم بالأمور الكبيرة من باب أولى، وأما ما ذكر في القصيدة فلا يعرفونه ولم يسمعوا به قط، وكذلك لما رجعنا إلى كتب التاريخ وبحثنا فيها لم نجد لها ذكرا.
فكيف يعتمد على قصيدة مغمورة لا يُعرف أصلها ولا صاحبها في تغيير نسبنا وتاريخنا، وهذه الورقة إنما أخذت من وريقات بيّنٌ أنها حديثة الكتابة، فهي أقرب إلى أوراق كراسة المدارس المخططة، ويلاحظ أن كاتبها لا يجيد القواعد الإملائية، والذي يؤكد حداثتها أنه ذُكر فيها اسم الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني (18)، وهو قريب العهد فإنه توفي سنة 1913م.وبناء على ذلك إما أن يكون صاحب هذه الأوراق الحديثة كتبها من ورقة أقدم منها، وإما أنه كتبها من حفظه، فإن كان نسخها من ورقة أخرى فعادة النساخ أن يذكروا ذلك ويبيّنوه، وهذا ما لم يحصل في هذه الأوراق، وإن كان كتبها من حفظه، فنقول من أين حفظها؟ ولماذا لا يعرفها أهل الظفرة؟ إذ هي تخصهم وتخص تاريخهم، مع وجود الحفاظ فيهم والمهتمين بعلوم الشريعة وأحداث التاريخ، وإن قلت بأنه ذكر فيها أن ابن عتيبة كان يعدها(19)، فهذا كما قيل: من أحالك إلى غائب فما أنصفك.


وابن عتيبة - وهو خلف العتيبة المتوفى سنة 1926م-، عاصره أهلنا وكانت بينه وبين أجدادي صداقة حميمة، قال علي بن سالم بو ملحا المرر:
لولا خلف بالديره والشيخ بوحمدان
لسكن لي في جزيره وافارق الاوطان
فإن كان ابن عتيبة يردد مثل هذه القصيدة التي تحمل أنساب بني ياس وأخبارهم، ولا نجد أحداً من بني ياس أو المناصير يعرفها ولا أحد يذكرها منهم، ثم تخرج في هذه الأيام المتأخرة من رجل يسكن في قطر، لأمر يدعو إلى الحيرة!!

والغريب أنه جاء في كتاب (أوثق المعايير)(20) تصوير لرسالتين من ناصر بن علي آل ثاني موجهة إلى صاحب الكتاب، كتب في الأولى: (بالنسبة لقصيدة ابو سهيل الفلاسي فهي من رواية بن عتيبة).

وكتب في الثانية: (ويؤكد بن عتيبة راويتها نسبتها للشيخ أبو سهيل بطي الفلاسي ويذكر فيها بعض الأسماء التي لم استطع تحديد هويتها وأكثرها من قبائل بني ياس).
وعند النظر إلى المخطوطة لا يظهر فيها أن ابن عتيبة يرويها، وإنما المكتوب أنه كان يعدها، لأن الرواية تستلزم ذكر من يرويها عنه، والأمر الثاني أنه لا يوجد كذلك التأكيد المذكور من ابن عتيبة في نسبتها إلى أبي سهيل الفلاسي، وإنما هي توهمات أوردها شغف النفس في ترويجها بين الناس لأمور خفية الله أعلم بها.

ثم ذكر بأن فيها أسماء لم يستطع تحديد هويتها؛ ثم سرعان ما حدّد هويتها بأنها من قبائل بني ياس، وهذا تناقض بيّنٌ، ولا يوجد في المخطوطة ما يوحي بأن تلك الأسماء التي فيها أنها من قبائل بني ياس، ولكن هكذا هم يريدون!

وأما أبو سهيل بطي الفلاسي ذكر بأنه جد شيوخنا الكرام من آل مكتوم حكام دبي دون ذكر ما يدل على ذلك، ولا ينبغي الجزم بذلك بمجرد تشابه الأسماء، فإثبات ذلك أو نفيه يحتاج إلى دليل.
والقصيدة فيها افتخار بالجد البعيد الذي لا يعرف تاريخه ولا أفعاله، خصوصاً في تلك الفترة التي عاش فيها كما يُدّعى، ولم يفتخر بجده القريب ولا حتى أشار إليه، وهذا ليس من عادة بني ياس إلا إذا كان الجد القريب ليس له أمجاد يُفتخر بها، ولا شك أن هذا غير صحيح.

وكذلك جاء في المخطوطة بأن أبا سهيل الفلاسي من شيوخ ليوا، وهذا من الأمور التي تدل على حياكتها، لأنه من المتعارف لدى أهل الظفرة أن آل بو فلاسة لم يكونوا في ليوا في حدود الثلاثمائة أو الأربعمائة عام الماضية، وإنما ذكروا في الظفرة في أقصى منطقة الساحل، وإذا كان لهم وجود في ليوا فيكون ذلك قبل مئات السنين؛ لأن ليوا كانت مساكن بني ياس قاطبة.
وروى لي السيد محمد بن صالح بن حمر عين المحيربي عن السيد عامر بن حمد الخييلي أحد رجالات الشيخ زايد بن خليفة الكبير أنه قال له: آل بو فلاسة لم يكونوا في ليوا وإنما يوجد ماء في آخر الساحل من جهة أبوظبي اسمه (بو رمرامة) لآل بوفلاسة، وهو مروى دائماً ينزلون فيه.
قلت: وهو يقع بالقرب من الجسر الذي يقع خارج منطقة مصفح حالياً.

وهذا يدل كذلك على عدم معرفة صاحب الكراسة بسكنى قبائل الظفرة وتاريخها، فكيف إذاً يؤخذ ممن هذا حاله تاريخنا وأنسابنا التي تخالف المتعارف عليه عندنا؟ ثم ترويجها في مجتمعنا بالكتب والرسائل ومواقع الانترنت.
وللأسف أن هذه الأفكار انطلت على كثير من الناس وراجت بينهم وصدقوها من غير تثبت، وهم معذورون في ذلك لعدم معرفتهم بعلم الأنساب وتاريخ المنطقة، ولكن لا يعذر هذا الذي يروجها ويذيعها في كل ناد ومجلس ويتكلم على كل من يخالفه في فكرته هذه، وأظن أن هذا ناشئ عن طيش واستعجال، لأن التكلم في علم الأنساب يحتاج إلى تأني وحذر.

تابع المقال

الأحد، 15 أبريل 2012

الظفرة وأجمل ما رأت عيني




رمال وغيوط في بطانة ليوا

هذه الرمال والغيوط الجميلة تقع في بطانة ليوا في منطقة الظفرة، وكنت أسير إليها  مع صديقي سالم بن شملان الفلاحي وأبني أحمد لتصويرها والكتابة عنها وكذلك للفرجة، وفي يوم من تلك الأيام الجميلة نزل علينا مطر فتغير لون الرمال فجلست أنظر إليها متعجباً من جمالها وروعتها، وهذه الأماكن وللأسف لا يأتيها إلا أناس قلة، وأما أغلب الغيوط فهي خالية والنخل فيها ميتة، ولما رجعت إلى مدينة زايد قلت قصيدة طويله أذكر منها هذه الأبيات:

وأنا مريت بديارٍ قديمه               منازل ناس عالين الجنابي
وشفت الرمل وغيوطٍ خليه          ونقيانٍ كما روس الحرابي
عليها كانت البدوان تورد           على حيلٍ من النوق العرابي
وغزلانٍ تراكض في سهلها          وريمٍ فوقها دومه يصابي
رعاك الله يا منزل تبقت            رسومه فوق هذيك الهضابي
سقاك الغيث من مزنٍ تهاما        صبيبه من غليظات السحابي
تشابك برقها في الليل كله           شعيله نار زايد في التهابي
وصار الليل مثل الصبح وانور   وزاد السيل من ضرب الحقابي
وعم الخير من شرقٍ وغربٍ      برحمة لي رزقنا بلا حسابي
وهذي دعوةٍ من قلب مخلص      وعساه ادعاي عند الله مجابي

علي أحمد الكندي المرر

الاثنين، 2 أبريل 2012

هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة تسعى لاعتماد «التغرودة» في اليونسكو

نظمت هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة ورشة عمل ميدانية في مدينة زايد بالمنطقة الغربية؛ لإعداد ملف التغرودة وفق متطلبات ومعايير الترشيح التي تعتمدها منظمة اليونسكو، والتقى فريق من ادارة التراث المعنوي بالهيئة مع أبناء من المنطقة الغربية أمس بمجلس الكندي في مدينة زايد، وذلك ضمن حملة التراث وخاصة تراث التغرودة بحضور الشاعر محمد علي الكندي المرر والباحث علي احمد الكندي المرر اضافة الى عدد كبير من المهتمين والباحثين والممارسين لهذا التراث.
ويأتي ذلك في إطار استراتيجية الهيئة المتمثلة في حفظ وصون التراث المعنوي وتعميق دوره في بناء الهوية الوطنية والسياحة المستدامة والنهضة التنموية الشاملة التي تشهدها إمارة أبوظبي، وتعزيزا للإنجازات التي حققتها دولة الإمارات العربية المتحدة في التعاون مع منظمة اليونسكو لإبراز التراث الوطني. وقال ناصر بن علي الحميري مدير إدارة التراث المعنوي بالهيئة ان هذه الورشة تأتي لاستكمال جمع المعلومات والبيانات اللازمة لملف التغرودة، والتي تتطلب مشاركة الكنوز البشرية من حملة التراث وممارسي تراث التغرودة في بيئاتهم الطبيعية. مشيرا الى ان الورشة تهدف للتعريف بالجهود التي تقوم بها الهيئة لصون تراثنا الوطني وأهمية تسجيله في اليونسكو.

الاثنين، 3 أكتوبر 2011

ذكرياتي مع والدي أحمد الكندي (3)

كتبها: علي أحمد الكندي المرر
لقد عاش والدي رحمه الله في بادية الظفرة، مرة بين رمالها ومرة في محاضرها، وكان يسكن مع أهله في محضر عتاب في ليوا، ذلك المحضر الذي كانت له فيه ذكريات جميلة، فكم سمعت منه وهو يحكي لي عن الأماكن التي كان يلعب فيها مع أصدقائه، والتلال التي كانوا يسهرون فوقها، والطرقات التي كانوا يسلكونها وهم يرتحلون الجمال، وقد قال والدي في ليوا:
جو اليوا من جو لبنان    لا من سهام ولا رطوبه
إن شفت م الدكتور نقصان   سر له وتشفى من هبوبه
له رستةٍ ما بين نقيان       سهله وما فيها صعوبه
وإن كنت مستانس وطربان   لابد يوم اتسير صوبه
هذا الفضل م اللي لهم شان   سفطان والخط اعتنوبه
قال هذه القصيدة لما انتهت الشركات من عمل طريق الاسفلت من مدينة زايد إلى ليوا، والذي أمر به صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان رحمه الله، وقوله: والخط اعتنوبه، يقصد الشارع اعتنوا به وجعلوه سالكاً معبداً للناس.
وأذكر في يومٍ من الأيام كنا ذاهبين إلى ليوا فلما وصلنا مزيرعة من ثم اتجهنا شرقاً إلى عتاب، قال لي والدي ونحن مازلنا في الطريق: كنا نذهب إلى عتاب من ذلك الطريق، وأشار بيده إلى جهة الجنوب من الطريق الحالي، وقال: كنا ندخل عتاب من جهة الغرب؛ لأن طريق الدخول والخروج من عتاب كان في تلك الناحية، وكان على ذلك الطريق يوجد غيط نخل اسمه (الطريج) يعني الطريق، وهو ملك لجدنا القاضي علي بن سالم بوملحى المرر، الذي يقول فيه:
اللي يبغي ايماري   يسرح صوب الطريج
قبل يغيب لجماري  يوم الجايع شفيج
وقال والدي كذلك: كنت مع عبيد بين كنيش الهاملي على ظهور الجمال خارجين من محضر ظفير إلى عتاب فأتينا من هذا الطريق.
فنظرت إلى وجه والدي وهو يحكي لي عن ذكرياته، وقد بدت عليه الحزونة، فظننت أنه سيبكي، ولكنه استمر في الكلام عن الماضي الذي ذهب بأيامه ولم تبقَ منه إلا الذكريات.
وللكلام بقية ....

الخميس، 29 سبتمبر 2011

ذكرياتي مع والدي أحمد الكندي (2)

كتبها: علي أحمد الكندي المرر
كانت بين والدي والشيخ حمد بن حمدان آل نهيان صحبة قوية وصداقة حميمة، فكان يذهب والدي مع الشيخ في حله وترحاله، حتى أني ذهبت في يوم من الأيام لزيارة الشيخ حمد بن حمدان حفظه الله ورعاه في منزله في أبوظبي، فكان الشيخ يحدثني عن والدي، فقال لي: كنا مسافرين إلى لندن فجلسنا فيها مدة طويلة، وكان أحمد الكندي يريد أن يرجع إلى أهله، ويلح علي ولكني أقول له انتظر حتى ننهي أعمالنا ثم نرجع، وأنا تقصدت التأخير قلت لعل الشاعر تجود قريحته الشعرية بقصيدة، وفعلاً ما هي إلا أيام قليلة إلا والشاعر أحمد الكندي يأتي ويقول:
يا طايره طايره فى الجو شليني   -*-  مادام مقصدك صوب اهلي وخلاني
انا اترجاك وانتي لا تخليني     _*_   أحب داري ولا دار البريطاني
يا ما حلا خاطري يومٍ توديني   _*_   واشوف بيتي وخلاني وبزراني
هم يرتجوني كما رجوى الطراشيني  _*_ والطفل لي جيتهم قال اللبو جاني
اصغارهم ترتجيني قبل ذا الحيني    _*_    وانا لهم مرتجى والقلب ولهاني
غريب ديره وسيعه بالبساتيني    _*_   حلوة مناظر لها ما ني بطرباني
أبغي الصبر لكن الأشواق تشويني  _*_   صوب المحبين لا أول ولا ثاني
قال الشيخ حمد بن حمدان: ثم بعد أن قال تلك القصيدة رجعنا إلى الإمارات.
ولما كنت أذهب إلى قصر الشيخ حمد بن حمدان كنت أقابل كذلك أصحاب الشيخ، وفي مرة من المرات جاءني رجل باكستاني يعمل لدى الشيخ حمد، وقد أخبروه بأنني ابن أحمد الكندي، فنظر إلي وهو يبكي فسلم عليّ ثم حضنني بشدة، وأنا أحاول أن أخفف عليه حزنه وبكاءه، وكنت أريد أن أسأله عن سبب بكائه، ولكنه جاوبني قبل أن أسأله، فقال: كان أبوك رحمه الله رجلاً طيّباً رحيماً عطوفاً، إذا جاء في القصر يأتي إلينا ويمازحنا، وإذا وضع الغداء أو العشاء للشيخ وأصحابه، فكان أحمد الكندي يأتينا بالأكل وبعض المرات يأكل معنا، ويعاملنا معاملة الأخ لأخيه، وكنا نتعجب من وجود رجل مثله.
وكما قيل: إذا عرف السبب بطل العجب، فهذه إحدى المواقف التي مرت علي وما زلت أذكرها جيداً، وهي تدل على الصفات التي كان يحملها والدي رحمه الله، والأدب الذي يتحلى به.
فإنّ حسن المعاملة وحسن التأدب مع الناس يورث تقدير الناس ومحبتهم لك، فأبي رحمه الله لم يكن يسب أحداً أو يتكلم في أحد، ولا أذكر أن له عدو، بل جميع الناس كانوا يحبونه لأنه يحبهم ويحترمهم، وإذا بحثت في شعره لن تجد فيه أي هجاء أو طعن في أحد، إنما ستجد قصيد الذكريات والغزل، وستجد كذلك قصيد الثناء والتقدير والمحبة والمودة.
وللكلام بقية .....

الثلاثاء، 20 سبتمبر 2011

ذكرياتي مع والدي أحمد الكندي (1)

كتبها: علي أحمد الكندي المرر
لقد عشت في بيتٍ يملئه الحب والحنان، بين أسرةٍ صغيرةٍ تتكون من والديّه وجدّتي وجدّي وأخي وأخواتي، نسكن في مدينة زايد، وكان لنا جيران هم كذلك من أهلي وأقاربي، فعن يميننا بيت جدّي وعمّ والدي القاضي مصبح الكندي مع أبناءه، وعن يسارنا بيت زوج عمّتي عبيد بن كنيش الهاملي.
كنا مع جيراننا كالبيت الكبير والأسرة الواحدة، فأنا لما كان عمري ثمان سنوات تقريباً كنت أدخل جميع تلك البيوت من غير استئذان أو سابق موعد، وكنت ألعب وأمرح مع أبناء عمومتي وعمتي، مما أحدثت تلك المجاورة وذلك الترابط بيننا صداقة ومودة.
وكان والدي أحمد الكندي محبوباً لدى أهله وجيرانه، وكنت ألاحظ ذلك في معاملتهم معه، وكان له كذلك أصدقاء كثر يزورونه في البيت، ويعاملونه معاملة إجلال ومحبة واحترام، ولهذا قال الشاعر غانم الفندي المزروعي:
ليتني شروات بالكندي     اللي كل الناس يحبونه
ولكني لم أكن أعلم سر تلك المحبة.
والعجيب أن والدي رحمه الله كذلك كان محبوباً حتّى من الأعاجم الذين يعملون لديه أو يحتكون به، وقد عاصرت والدي ورأيت معاملته مع الناس، ولكني كنت أراها من الأمور الطبيعية التي نشأ عليها البشر، أو من الأمور التي لا بد أن يفعلها الناس، ولما كبرت وقابلت بعض أولئك الأصدقاء أو أولئك الذين عملوا مع والدي، تذكرت مواقف كثيرة لوالدي معهم، فحينها عرفت السر، وتيقنت بأن المحبة لم تكن محبة فطرة كمحبة أبوة أو أمومة، بل جاء ذلك الاحترام وتلك المحبة بالأدب والتقدير الذي كان والديه يفعله لجميع من يقابله من الناس.
فمن الذكريات التي لا أنساها، أنه كان عندنا طباخ جديد، فلما عمل الغداء جئنا وجلسنا كي نأكل، فقال أبي انتظروا حتى يأتي الطباخ ليأكل معنا، لأنه كان الطباخ السابق والسائق كذلك يأكلون معنا في إناء واحد، وهذا الطباخ الجديد لا يعلم ذلك، فانتظرنا وانتظرنا ولم يأتِ حتى ذهب أبي إليه كي يناديه، ولكن الطباخ أصابه إحراج ورفض أن يأكل معنا وقال سوف آكل بعدما تنتهون من الأكل، فأصر أبي وأعزم عليه أن يأتي، وقال له: لن نأكل إذا لم تأكل معنا، وفعلاً جاء الطباخ وأكل معنا على استحياء.
فأقول: أتعلمون ما أنتجت تلك المعاملة مع الطباخ، لا شك الاحترام والتقدير لوالدي، بل وجعلت ذلك الطباخ يجد ويخلص في عمله مع والدي.
ولما نذهب إلى مزرعتنا في ليوا، كنا نمر على الدكاكين نشتري الكولا والكيك والحلويات، فكان والدي يشتري كذلك الكولا والعصائر ولكن لمن؟
كان يهدي ما يشتريه للمزارع الذي يعمل لديه، أذكر ذلك المزارع البلوشي، وهو يستحي أن يأخذ العصير من يد والدي، ولكن أبي رحمه الله كان دائماً يصر على الإعطاء، وربما يجلس مع المزارع ويشربون العصائر معاً.
وللكلام بقية.........